
تلاطم الامواج في المشرع الكبيرقبل المغيب يحفزه للتأمل العميق، بقرة نافقة تحملها تيار النهر بثقل صوب الشمال، وسرب من القماري يشرب من حافة النهر بخوف وترقب قبل ان يحل الظلام، ونهيق حمار ادهشته نعومة وسحر أتان مكتنزة لحما وشحما، و صوت مجداف بعيد من جهة الغرب وهاهم الصيادون يجدفون بعنف وهم يجرون شباكهم بعجل قبل ان تحل الظلمة ويمتزج وجه النهر مع بقعة الرمل المحيطة به من كل الجوانب. غناء ونمّة الريس ود سموك في تلك السويعات الزاهية من عمر المكان وثرثرة
بالترقب وهو منذ ان سحرته تدحرج قرص الشمس المحتضرة من وراء قمم النخيل لا يحتمل العودة الي داره الابعد ان يودع الشمس وهو في ذهوله وتأمله العميق لا يختلف كثيرا عن عبدة الشمس في حضارات المايا المندثرة. أزيز محرك زورق حديث يبعثر نسوة يركضن بسرعة للحاق بالمركب فى التعدية الاخيرة قبل ان تنهي رحلته الابدية لتبدأ من جديد قبل شروق شمس الغد بكل عذوبة وهمة. وهمهمة (محمود نقودي) كعادته مع بقرته العنيدة التي لا تقر مطلقا ليفرغ من حلبها قبل ان تغزو الظلمة كل تلك الخضرة والبهاء اللامتناهي و نسمة مشبعة برائحةالقرض تهب من اعماق النهرككائن جميل وتنعش الارواح وتملأها بالحبور والغبطة وأمرأة مسنة تنادي علي حفيدها "مهمد" الذي غالبا ما يتأخر في الشاطيء في مثل تلك السويعات الحرجة المليئة تأمله ويشعر بضيق سرعان ما يزول بقرقعة حوافر الحمير التي تحاول الولوج الي المركب في الشاطيء الشرقي. هسهسة سعفات النخيل التي تداعبها النسمات المغاربية الباردة، سمفونية الطيور التي تحتفل كعادتها مع كل غروب بانتهاء يوم رائع وحافل، نقيق ضفدع ما ربما اعمي فالضفادع السوية عادة لا تبدأ بالنقيق الا في الظلمة وفي أواخرالليل.. قطرات الندي التي بدأت تتكثف فوق سنابل القمح التي تتلوي كراقصات محترفات وعلي ايقاع رتيب مع هبوب النسمات، فحيح الافاعي في احراش الغابة التي تفصل الحقول عن النهر وجلبة الترابلة العائدون علي ظهور دوابهم من أورنارتي ورائحة الحليب التي تعقب عثار حوافر حميرهم تحفز القطط الضالة بالمواء والركض ورائهم بلا طائل. طفل يبكي بحرقة لأنه يريد ان يأكل عشائه بمفرده فهو معتاد هكذا ولا أحد يقدر علي زجره أو ردعه فهو أخر العنقود وله مقام لا ينازعه أحد في تلك الاسرة الكبيرة وفي قلب والده المسن. فتاة رائعة عيناها الواسعتين تجذبان كل بقايا اشعة الشمس ثم تطلقها نحو قلبه مباشرة فيشعر كالمجنون حين تلسعه تلك الاشعة المنبثقة من عيناها لا من قرص الشمس المحتضرة ولذا فهوكان متعلقا بها ولا يقدر علي فراقها مطلقا طالما هنالك اشعة الشمس وعينان بكل تلك الروعة. يصيح ديك ما في غير وقته فيشعر ببعض الضيق ثم يبتسم بسخرية مرددا في اعماقة ياله من ديك مجنون.
هذه البلدة غريبة فعلا اشياء تحدث في غير اوانه قد تثمر نخلة في غير موسمها وقد تلد نعجة ما اربعة وقد يموت احدهم بلا مرض وهو عليمصلاته فيكون حديث القرية لفترة من الزمن وقد تقام حفلة عرس مباغتة ويرقصون كالسكاري أوقد يعود احد المهاجرين بغتة ويجدونه نائما في داره في الصباح الباكر وتتقاطر الناس للسلام عليه من كل حدب وصوب أوقد يسافر احدهم فجأة وبلا مقدمات.
رائحة قلي البصل يغمر اطراف الحلة ويشعر المرء بجوع مفاجيء واضواء خافتة من الفوانيس تتسلل من فرجات السقوف و يشعرالمرء بعظمة الشمس وعنفوانها. و يستمع في باحات البيوت المهجورة القديمة الي أصوات غريبة وهمهمات الموتي ويشعر ببعض الخوف ثم يرخي أذنه ويستمع لضحكات جدته التي ارتحلت قبل عشرون عاما ويطمئن لتلك الاصوات المبهمة ويتقرب اكثر لتلك الارواح المتشبثة بالمكان رغم الرحيل والزوال منذ ازمنة بعيدة. حداء ساقية العم شعبان الوحيدة التى لا زالت تقام غزو الحداثة تملأ قلب المساء النابض بكل ما في هذا العالم المرئي من فرح وغناء أبدي لا تبرح مطلقا نتوءات ذاكرة كل من لعب مع الرفاق او سبح اوتسلق نخيل هذة البلدة التي تقبع في اعماق الجنات التي تسمي مجازا الفراديس وحقيقة جزيرة ارتقاشا.
بعد بضع سنوات الغربة التى قضاها كالميت يستعيد هذه المشاهد من اعماق ذاكرته الحادة التي تكاد تسحقه وهو يلملم فتافيت متعلقاته المهترئة من شقته فى بلاد الغربة ويهم عبور هذا البحر الملعون الى البلاد التي انجبته ثم لفظته كاللقطاء في بلاد غريبة. الآن و بعد كل هذه السنين يحس بشعور متضارب ويثكثف في أعماقه فرح ضاري كالحزن وهو سعيد جدا و يشعر كسمكة كانت تعيش في حوض للزينة ثم اطلقت فجأة في النهر الكبير وبدأ يستعيد ذكرياته البعيدة كأنها أحداث حدثت بالامس القريب وبدأ يتسائل بحرقة هل تلك الفتاة التي كانت تشرب اشعة الشمس بعينيها الواسعتين والتي كانت تضحك من أعماقها كلما أجتمعو سويا للسمر في امسيات الصيف المقمرة كما تركتها قبل اعوام خلت؟! لكنه وفجأة يتذكر بأنها قد رحلت هي أيضا الي تخوم المدينة البعيدة في مساء حزين بعد تزوجت واقيمت لها حفلة عرس لا يشبه الاعراس ولا هي ايضا كانت تشبه العرائس كما قال له صديقه الذي يعشق الاعراس حتي الثمالة ويستطيع ان يحدد بدقة أي الاعراس يستحق ذكره تاريخا للاحداث حين زفت مباغتة الي رجل قميء سفيه في صيف ذاك العام قبل سنوات ليست ببعيدة. وهل مازال حماره الوديع كما هو يحب قضم العشب من يديه في كل صباح وهل بقرته المرقطة ذات الغرة علي جبهتها كما تركتها بعجلها الابيض قبل ان يترك البلدة ويرتحل مثل الاخرين للركض وراء الاحلام المؤودة وهل الحيران مازالو يتلون سورة المزمل بفرح وعذوبة في خلوة خاله الضرير عباس في صباحات ارتقاشا الزاهية وهل وهل وهل؟؟؟ !!!!!
ثم نظر حوله فاذا به ما زال غارقا في وحل الغربة حتي أذنيه وصراخ احد اطفاله اعاده الي واقعه القاسي وكاد ان يبكي الا انه تمالك حسرته وعلي اي حال هو لا يكف عن احلامه مطلقا. ازيز محركات الطائرات في المطار الغريب واضواء السيارات الباهرة تسبب له نوع من العمي وهو عادة لا يعشق صخب الاشياء والالوان وثلة من العائدين من بني جلدته يسحبون امتعتهم الثقيلة واطفال مثل اطفاله فرحين لانهم عائدون مع ذويهم الي بلاد لم يسمعو بها الا من افواههم و يركضون بصخب شديد في صالات المطار الواسعة بعد ان كانوا محشورين في شقق شبيهة بعلب الساردين وعلي أي حال هم سعداء بهذا البعث وغدا يوم اخر هناك، فهم موعودين بجحافل البعوض والحمي والسعال في بلاد يمتلك كل شيء الا الحكمة.. قال له موظف الجمارك القصير ذو الكرش الممتليء بحدة (ثلاثة الاف وثلاثمائة ريال). ادخل يده في جيبه فدفع لذاك الجلف ما سأله عبارة عن تكاليف شحن امتعته ثم عد الباقى و كاد يسقط مغشيا عليه وبدأ يضرب كفيه حسرة، يا لهول المصيبة بعد كل هذه الاعوام في الركض وراء المال ها هو لم يتبقي في جيبه غير وريقات شحيحة من عملة تلك البلاد الخادعة. عشرة اعوام والفين ريال فقط!!! كاد ان يلقيها في سلة القمامة التى على بعد خطوات منه الا انه ادرك بأنه سيحتاج لتلك الوريقات حتي يصل الي داره القابعة هناك في اقصي شمال دولة متضعضة الاطراف و لم تتضح معالم خارطتها النهائية بعد!! وبدأ يسب ساخطا حظه العاثر وهو يضحك كالمعتوه ويتمتم قائلا: بلادى بلادى... فداك دمى.
ابو شوق
(محمد فقيرى)
ارتقاشا 2010
مواضيع ذات علاقة
مقالات أخرى في مقــــــالات
فى دار جدتى 14 أغسطس 2010
الاستاذ معاوية يسن ومقال بعنوان انكسار الحلم السوداني 27 يوليو 2010
ديمقراطية رأس الذئب الطائر 22 يوليو 2010
قبيلتك الخائف عليها .. 22 يوليو 2010





