أهلا وسهلا, زائر
اسم المستخدم : كلمة السر : تذكرني
مساحة للقصص العربية والغربية ومحاولة الأعضاء
  • الصفحة :
  • 1

الموضوع : كوب ماء!!!

14 أغسطس 2010 07:25 كوب ماء!!! #51

  • abuafan
  • غير متصل
  • الإدارة
  • المشاركات : 18
  • السمعة: 3
كوب ماء!!!

في ضحي ذلك اليوم الصيفي الخانق من عام 2010 في تلك الغرفة القصية من بيتنا المتهالك كان جثماني مسجي وكنت عاريا كما ولدتني أمي في احدي الأمسيات الماطرة من شتاء عام 1965 وقالت لي أمي قبل أن أموت باني حين خرجت من رحمها إلي ظلمة الدنيا كنت مبتسما لا ادري لماذا يرون الآخرون باني عبوس متجهم الوجه دائما.
نساء القرية ينتحبن بصخب ويلطمن خدودهن بلوعة بالغة كأنني أول الميتين في قريتنا الحالمة التي يرحل منها الأموات و الأحياء أكثر من القادمين والمواليد!!. كانت أمي محاطة بثلة من النساء وكانت أكثرهن حزنا علي رحيلي المزعوم! وتلك جارتنا الودودة الحاجة( فدلم ) تبكي مثل أمي ربما لأنها فقدت نديمها علي (قلة الجبنة) من عصر كل يوم وصبية ندية القوام تبكي بأسي ورغم أنني لم أراها تبكي من قبل كنت مندهشا من تلك اللآلي التي كانت تتساقط من عينيها !!!وكانت زوجتي تعد طعام الغداء وهي تردد بقايا أغنية (نوبية) ماتت قبلي بأعوام طويلة وأنا في تلك الحالة الغريبة دخل علي فجأة مجموعة من الرجال وتمنيت في تلك اللحظة لو انشقت الأرض وابتلعتني كان اخف وقعا من أن يروني كل هؤلاء الغرباء وأنا متجرد من ملابسى وشرعوا في تغسيلي وأعينهم تدمع كالسحب ثم شرعوا في تكفيني بعجل كأنهم أحسو بما أنا فيه من إحراج وشعرت ببعض الطمأنينة والآن أنا في ثيابي الناصعة وتذكرت بأنني حين تزوجت لبست ملابسي وعمامتي من تلك الغرفة في أصيل ذلك اليوم من عام 1995
وفي كلا الحالتين لا أخلو من الأناقة الفارهة حتى في هذه اللحظة الكئيبة. تلاطم الأمواج في شاطيء ابشمار وجوقة العصافير التي تنشد أغنيات مبهمة في تلك اللحظات الأخيرة تولد في أعماقي شعورا عارما بالفقد والزوال وأشعر بأنني حي يرزق ولكن هيهات لا أستطيع أن آتي بحركة سامجة واحدة مما يفعلها الأحياء لأثبت لهم بأنهم إنما يشيعون علي عجل رجلا حياً يرزق مثلهم تماما لكنني في سبات غريب ساقيّ ملتصقتان ويداي ملتصقان علي جسدي ولساني صلب كالوتد!!وهل هذه الحالة هي حالة موت لا افهم لأني لم أمت من قبل!!
عفوا يا سادة حين خرج جثماني من عتبة بيتنا اشتدت صياح النسوة وأمي كانت تنظر إلي نعشي بأسي شديد وابنتي شوق وسط ثلة من لداتها تلهو وفي يدها عبوة (فش فاش) فارغة وحين نظرت إليها من وراء أكفاني ابتسمت ابتسامة غريبة وأشارت إلي بتلك العبوة الفارغة وفهمت مقصدها!!
طائران يحلقان فوق رؤوس المشيعين علي علو منخفض جدا!! نسمة باردة منعشة هبت من جهة النهر كادت تحييني من جديد! انزلو نعشي في تلك البقعة الرملية وبدأو بالصلاة عليّ وقارب ممزق الشراع في انتظار جثماني لنقله إلي وادي شيخ منور حيث يرقد فيه الموتى من أهلي وعشيرتي منذ أن خلق الله الحياة أولا ثم الموت وفرحت لأنني لن أكون غريبا هناك وحتما سأراهم جميعا وكم كنت أتمني أن أري وجه جدي (بلال) واذكر إنني عندما كنت حيا في تلك السنوات التي انتهت منذ الأمس بأنني كنت أبحلق في وجوه أحفاده وأحفاد الأحفاد متسائلا أيهم يشبهه وكنت أعجز عن الإجابة الآن سأراه هناك انه بلا شك في انتظاري الآن.
ذلك الرجل الذي كلما تخيلته يقف أمامي رجل فارع الطول عيناه يلمعان كعينيّ صقر فرعوني قديم
رسي القارب بالضفة الاخري وبدأو في حمل جثماني بالتناوب كعادتهم وفي الطريق إلي المقبرة استوقفهم زنجي طويل القامة يمتطي ثورا هائج وقرأ الفاتحة مثلنا تماما علي روحي التي مازالت تنبض في أعماقي تاركة جسدي الميت!!وانضم الزنجي إلي جمع المشيعين تاركا ثوره الهائج ورايته يعدو صوب النهر ليشرب لأنه ربما كاد يموت من العطش كما يموت الناس جوعا في بلاد غريقة بالماء والخضرة والوجه الحسن كوجه تلك الفتاة التي كانت تتناثر الدرر من عينيها في بيتنا القديم في ابشمار.
وعلي ذلك الجسر الذي يفضي إلي المقبرة رأيت شرطيا شاحب الوجه يحمل بندقية صدئة وكان يبحلق في وجوه المشيعين ببلاهة وهو الوحيد الذي لم يحزن علي رحيلي وتساءلت من أين آتي هذا الغريب وماذا يحرس في هذا اللاشيء الكبير !!وأخيرا ادركوالمقبرة ووضعو جثماني علي حافة قبر قديم لان قبري لم يكتمل حفره بعد رجال شعث يحفرون بعجل وصوت معاولهم يعلو ويهبط وتمنيت لو ادركو بأنهم إنما يحفرون قبرا لحي يرزق مثلهم وتمنيت لو تركوني وشأني إلي يوم غد ولكنهم أدخلوني اللحد وبدأو يسدون فرجات اللحد بالحجارة وسرعان ما كانو يهيلون علي التراب وفي ثواني معدودة بدأت أصواتهم يبتعد عن مسامعي وحاولت الصراخ ولكن بلا طائل.
وأنا في تلك الحالة فجأة أشرقت أنوار ساطعة في أرجاء اللحد وتذكرت تلك المدينة العقيمة التي كنت ميتا فيها لفترة عشرون عاما !!!سماء اللحد لازوردي ورأيت معابد ضخمة مقامة علي حافة نهر صافي كالمرآة وتماثيل كبيرة لجدي بلال ينعكس علي صفحة ذلك النهر السماوي وكهنة حليقو الرؤوس يحملون أباريق نحاسية متقنة الصنع و يرددون أغنيات نوبية رائعة ويسقون الموتى نبيذا نافد الرائحة حلو المذاق ونساء نصف عاريات يرقصن الجابودي وأصوات طنابير شجية يأتي من باطن النهر وأنا غارقٌ في ذلك العالم الساطع رأيت رجلين يقتربان مني احدهم بهي الطلعة والآخر دميم ذو صوت أجش مرعب اقتربا مني وقال أحدهم لرفيقه بأنني نوبي ومضيا علي عجل!!!
ورأيت جدي (بلال) جالسا علي أريكة من خشب الأبنوس مطعمة أرجلها الزاهية برقائق من العاج وأربعة حوريات يقفن في بلاطه بخشوع عجيب وسألني بحدة لماذا أتيت هنا الآن مبكرا مثل أبيك!!!
وقال لي أخرج من ذاك الباب وأشار إلي بباب ذهبي ضخم وفي طريقي للخروج رأيت جدتي وعانقتني عناقا شديدا وأعطتني كما كانت تفعل عادة حفنة من تمر القنديلة وقالت أعطها لابنتك شوق فقط لأنها تشبهها جدا كنت أتمني البقاء معها واستمع إلي أغنياتها التي علقت بقلبي من قبل أن أدرك بأن هناك عوالم أخري غير شواطيء (سوارمار) وجروفها الخضراء.
وفجأة أحسست بان ماءا باردا تساقط علي جبهتي وقفزت وإذا بي ملقاة علي سريري في شقتي المتهالكة في منفوحة بالرياض والماء التي سقطت علي جبهتي ليست من ماء الآخرة و إنما هي من تلك الكاسة التي نضعها عادة للابنة ( شوق ) لتشرب كعادتها في الهزيع الأخير من كل ليل.



ابو شوق

(محمد فقيرى)

الرياض 2010
  • الصفحة :
  • 1
الوقت لإنشاء الصفحة : 0.21 ثانية