هكذا يدخل الشاعر التجاني سعيد مدينة البكاء وهو لايملك من الدمع مقدار دمعتين، ها هو الشاعر الذي لايملك دموعه يطالب بالمواطنة في مدينة البكاء، انه لا يملك شروط المواطنة، لايملك دموعه، ورغم ان سكان المدينة قدموا له بطاقة المواطنة وما يستلزم البكاء من أدوات إلا انه لم يستطع البكاء، لم ينهمر دمعه، فكان أن طُرد الشاعر الذي لا يملك من الدمع مقدار دمعتين من مدينة البكاء وأغلقت بوابة المدينة دونه ولكن عند بوابة المدينة انهمر دمعه ونبت تحت جفنه كما تنبت المياه في البحار، لذلك اختار الشاعر لقصيدته هذا العنوان (قصة الخروج)، الخروج من مدينة البكاء تلك التي دخلها الشاعر بدون دموع وبين دخوله وخروجه تتكثف الصور الغريبة التي هي أهم ملامح هذه المجموعة الشعرية والتي صدرت في منتصف السبعينات من القرن المنصرم تحت عنوان (قصائد برمائية) وهي المجموعة الوحيدة لهذا الشاعر الذي صمت عن الشعر تماماً والشاعر التجاني سعيد يعرفه جمهور أغنية الفنان الموسيقار محمد وردي من خلال أغنيتين جميلتين هما (من غير ميعاد) و(قلت أرحل) وهذه المجموعة الشعرية (قصائد برمائية) تعلن وتشهر عن خيال جامح وقدرة على توليد الصورة الشعرية ذات الكثافة العالية، بل على التفكيك التعبيري والخروج به من حالة ثباته إلى حالة من الحركة التي تكمن دائماً في ذلك النسيج الذي يحاول أن يجمع بين النقائض، كما ان الشاعر استعان في بناء قصيدته ذات الملمح النثري على الإحالة الدرامية العالية فهو يقدم من خلال قصيدته حالات درامية متفجرة المعاني ويمكن القول ان قصيدة النثر في السودان يمكن ان تتباهى بما انجزه الشاعر التجاني سعيد في هذه المجموعة الشعرية والتي من عنوانها ـ قصائد برمائية ـ تحاول ان تدخل القارئ في أجواء وعوالم غرائبية، بل انها تهز وتشكك القارئ في قناعاته الشعرية وتربك ذائقته الشعرية المتراكمة من قبل، أولاً لنبدأ بالعنوان الذي وضعه الشاعر لهذا المجموعة ـ قصائد برمائية ـ، إذن هي قصائد بين البر والماء، هي قصائد موجودة بين نقيضين، بين حالتين، هل هناك قصيدة برية وأخرى مائية؟، ترى كيف نستطيع ان نتذوق هذه القصيدة البرمائية، سأحيلكم إلى ما كتبه الشاعر في تقديمه لهذه المجموعة بعد أن نتأمل عناوين هذه القصائد البرمائية:
مدخل عدمي/ الإنسان والأسماك/ ورقة ميتافزيقية/ أغنية عن التفرد/ حديث عن رقم بالغ الأهمية تقرير/ مدينة من البلاستيك/ أحزان صالحة للنشر/ الديمقراطية والصابون/ من سلسلة إكتشافاتي الذاتية/ تلخيص لما دار بيني وبين هجسياس ـ الناصح بالموت ـ / دعوة قابلة للنسيان/ تمييز/قصيدة البحر/ ميلاد/ قصة الخروج/ كلمات صنعت خصيصاً للسودان/ البقية في الحلم القادم.
وصفات من كتاب الشقاء.